أين قانون حماية الجنين في الأردن؟

د. فايز ابو حميدان

ذات يوم زارتـني كريستين وزوجها رودولف بصحبة طفلين توأم، وُلِدا بعد علاج للعقم دام عدة سنوات ، في عيادتي بألمانيا وتكلل العلاج بالنجاح ، وقمنا بتجميد ثلاثة أجنة إضافية في سائل النيتروجين بدرجة 196- مئوية ليتم زراعتها لاحقاً في حال رغب الزوجان في الإنجاب مجدداً .

كانت الأجواء ممزوجة بالفرح والحزن معا لولادة الطفلين، حيث أن الحزن كان لأن كريستين فقدت الرحم خلال الولادة بسبب مضاعفات متعددة حدثت معها . وبعد مرور خمس سنوات عادت بصحبة زوجها الى عيادتي ، وبعد الإطمئنان على صحة أولادها والمجاملات المعهودة ، بدأت كريستين بالبكاء ، فحاولت معرفة السبب ودفعني هذا الى التطرق لموضوع فقدانها للرحم، وكان محور حديثي معها حول استطاعتها العيش بشكل طبيعي بعد هذه التجربة ونتائجها ، وعند تدخل الزوج رودولف إتضحت لي بعض الأمور ، فهما أمام إتخاذ قرار صعب وهو إتلاف الأجنة المتبقية التي تم تجميدها بالمراحل الأولى ، وهذا يعني لتلك المرأة المؤمنة إقتراف ذنب كبير في حياتها …….
إن موضوع كهذا له أهمية كبيرة في المجتمع الألماني ، فالقانون الألماني يمنع إتلاف الأجنة أو التبرع بها في حال الرغبة بالتخلص منها، ففي المجتمعات المتقدمة تطرح أسئلة فلسفية هامة بما يخص بداية الحياة ووضع الأجنة وكيفية حمايتها واحترامها ،ويتم البحث عن حلول وقوانين لحمايتها .

متى تبدأ الحياة ؟ وما هو تعريف الجنين ؟ اسئلة تطرح في معظم دول العالم والهدف منها تنظيم مسألة وضع الجنين القانوني ،الديني ،الاخلاقي، والفلسفي ، فكلما ازدادت الدول تطورا اصبحت الحاجة ملحة في ايجاد اجوبة على هذه الاسئلة .

النظرة القانونية للجنين تختلف من بلد الى اخر ، و للاسف لا يوجد لدى منظمة الصحة العالمية في الأمم المتحدة متسع من الوقت لمناقشة مسألة هامة كهذه ، نظراً للإنشغال في قضايا سياسية أخرى .
بدأ النقاش في هذه المسألة في بداية الخمسينات بعد اكتشاف موانع الحمل ، واصبح النقاش اكثر حدة بعد البدء في برنامج العقم وأطفال الأنابيب في بداية الثمانينات من القرن الماضي ، فقد قامت بعض الدول بسن قوانين في هذا المجال، ولكن معظم الدول لم تسن قوانين لحماية الجنين كما هو الحال في الاردن حاليا .

بعض الدول لديها قوانين صارمة فيما يخص الجنين ، كما هو الحال في ايطاليا وألمانيا. ودول اخرى لديها قوانين اكثر ليبرالية كأميركا وبريطانيا وبلجيكا حتى ان بعض الدول تسمح بإجراء عمليات وتجارب على الأجنة حتى بعد انقسامها الى عدة خلايا .

القوانين الصارمة تتعامل على ان الجنين انسان منذ دخول الحيوان المنوي الى البويضة وانقسامها الى خليتين، وذلك لقناعتها بان الانقسام يعني تناقل الصفات الوراثية الى خلايا اخرى ، وهذا يعتبر من وجهة نظرها بداية للحياة وبهذا يتمتع الجنين بكامل الحقوق والواجبات كأي مواطن ، وآخرون يعتبرون بداية الحياة تبدأ عند التصاق الجنين بالرحم وبدء نبض القلب ، وهناك اجتهادات دينية تقول بأن بدء الحياة يحدد بمرور فترة زمنية (أربعين) يوما بعد التصاق الجنيين بالرحم.
فكما نرى هناك وجهات نظر مختلفة، وهذا يعود الى مصادر التعريف والتي تتأثر بعوامل دينية وفلسفية تختلف من مجتمع الى اخر .

ان مسألة الاجابة على (متى تبدأ الحياة؟) هي مسألة جوهرية ، ولها اهمية واعتبارات متعددة ، فمن الناحية القانونية والحضارية يجب ان نحدد ونحترم الخطوات الاولى لبداية الحياة ، وهناك اعتبارات دينية تجعلنا نعترف بالمعتقدات والإجتهادات الدينية ، ونتقبل وجهات النظر المجتمعية والفلسفية والسياسية وذلك حفاظا على التطور المجتمعي .

اما من الناحية الطبية فلهذا الأمر أهمية كبرى ، لما له من تأثير على التطورات الطبية المستقبلية ، فالخلايا الجذعية مصدرها الاول الجنين ، وهي ضرورية لعلاج بعض الأمراض الوراثية كالزهايمر والهيموفيليا فالهندسة الوراثية تعتمد بالأساس على الخلايا الجذعية التي مصدرها الجنين ، وهذا يضعنا أمام مسؤولية إحترام الجنين وعدم استغلاله .

البنود الاولى للقانون الأردني تنص على حماية الانسان وكرامته ،وهذا يجعل المسؤولية اكبر في وضع قانون لحماية الجنين في بلادنا.فعلى الرغم من وجود قوانين لمنع الاجهاض ، ومعاقبة مرتكبي هذه الجريمة جزائيا الا انه لا يوجد نصوص واضحة لما يخص الاجنة وطرق التعامل معها .فالقانون يرتكز على تعاليم الديانة الاسلامية والتي لم تتطرق بشكل واضح لهذه المسالة على الرغم من وجود اجتهادات وتفسيرات مختلفة في هذا المجال .

فالقانون يميز بين الشخص القانوني (انسان،او شركة) وبين الجماد ،فالشخص القانوني تنطبق عليه واجبات محددة وله حقوق معروفة ، أما الجنين فوضعه القانوني غير معروف أهو شخص قانوني ام جماد ؟ هل له حقوق أم لا ؟
 فالقانون مثلا يتعامل مع الأطفال كأشخاص قانونيين ويحميهم ، فلا يحق لنا التصرف معهم كيفما نشاء حتى لو كنا أولياء أمورهم، فلهم كافة الحقوق والواجبات عدا حق الانتخاب والترشح للبرلمان.
ان التطورات الجديدة في مجال العقم والمساعدة على الانجاب ومستقبل الاستنساخ العلاجي ستضعنا امام معضلة كبيرة إذا لم يتم تعريف وضع الجنين وسن قوانين لحمايته من الآن، فوجود قانون سيكون بمثابة بوصلة أخلاقية تضبط الأمور، وعلينا أيضا العمل على تصميم سجل وطني لمتابعة نتائج علاج العقم، لضبط المهنة ومنع التجاوزات في مجالها، للمساهمة في التطوير العلمي في هذا المجال واحترام القيم الإنسانية .