طفل بأي ثمن !

د. فايز أبو حميدان 

الشعور بالرغبة بالأبوة أو الأمومة أمراً فطرياً وغريزياً، ان من سنن الحياة رغبة الإنسان بأن يكون لديه أطفال وسلف من بعده، فما أجمل أن يتتوج كل زواج بالأطفال فوجودهم يعطى للحياة لوناً آخر، ويسهم بشكل كبير في استقرار العائلة، وبهم نشعر بطعم الحياة الحقيقية.

لكن المشكلة أن ما يزيد عن 15% من سكان الكرة الأرضية محرومين من هذه النعمة لأسباب كثيرة، ويراجعون يومياً عيادات مراكز الإخصاب والمساعدة على الإنجاب في سبيل الحصول على طفل بأي ثمن، خاصة بعد نجاح أول ولادة طفل أنابيب عام 1978، والذي بعدها تم علاج الملايين من حالات العقم، حيث يقدر عدد الأطفال الذين وُلِدوا باستخدام تقنية أطفال الأنابيب بحوالي 6 مليون نسمة أي ما يزيد عن عدد سكان بعض الدول. 

إن الازدياد المستمر في نسبة العقم يعود إلى الزواج المتأخر أي كبر سن الرجال والنساء عند الإقدام على الزواج؛ وذلك نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية في العالم، ولتغيرات الظروف الحياتية، وطرق التغذية الحالية، وأسباب أخرى كثيرة، لكن في المقابل فإن هناك تطورات كثيرة وإيجابيـة لطرق التشخيص والعلاج في هذا المجال مكنت الأطباء من معالجة حالات صعبة كان ميؤوس منها قبل عشر سنوات، بالإضافة إلى التطورات التي طرأت على العلاجات المختلفة كالتلقيح البسيط (IUI) وزراعة الأجنة بعد استئصال البويضات (IVF) وطرق التلقيح المجهري (ICSI) إذ أصبح بالإمكان أخذ الحيوانات المنوية من الخصية حتى لو لم تكن موجودة في السائل المنوي، وهناك أيضاً تطورات مخبرية كثيرة كتجميد الأجنة والسائل المنوي واجراء الفحص الجيني قبل الزراعة (PGD) واختيار الأجنة السليمة، وغيرها. 

إلى جانب كل هذه الأمور الإيجابية فإنه يجب التطرق إلى بعض المشاكل والمضاعفات الناتجة عن هذه التطورات، فالجانب النفسي لهذه العلاجات والكلف العالية ترهق المرضى بشكل كبيـر، كما أنه يجب التنويه إلى أن هذه العلاجات تتضمن عمليات جراحية تحتاج للتخدير مما قد يحمل معه نسبة من الخطورة، حتى لو كانت قليلة فإنها غير معدومة. 

كما أن العلاج بالهرمونات لتشجيع الإباضة قد يؤدي أحياناً إلى مرض فرط الاستثارة لدى بعض السيدات مما يتطلب علاجات خاصة تحتاج الإدخال لأقسام العناية الحثيثة، وربما تؤدي إلى مضاعفات تودي بحياة المريضة. 
ومن أهم الأعراض الجانبية لعلاج العقم هو تعدد الأجنة في الحمل الواحد الذي لا يعتبر نجاحاً للعلاج؛ وذلك للمضاعفات الطبية الخطرة على الأم والأطفال، وللنتائج السلبية التي قد تلحق عملية الولادة في حال كان الحمل يحتوي على ثلاثة أطفال أو أكثر، وعليه يجب على بعض الأطباء التخلص من ظاهرة التفاخر فيما يخص تعدد الأجنة، لأن هذا يعتبر من ناحية مهنية فشل طبي في الحصول على طفل أنابيب وليس نجاح. 

ولا نستطيع أن ننكر أن بعض الأطباء والمرضى يفضلون اجراء الولادة من خلال اللجوء إلى العمليات القيصرية كون الطفل نشأ بعد علاج للعقم دام فترة طويلة وبتكاليف مالية باهظـة، فيخافون من إجـراء ولادة طبيعية لاعتقادهم بأن نتائجها قد تكون سلبية على الطفل المولود بواسطة تقنية أطفال الأنابيب. 

وهناك مسألة مهمة وهي تزايد المخاوف لدى البعض فيما يتعلق بازدياد نسبة التشوهات الخلقية لدى أطفال الأنابيب مقارنةً مع الآخرين، إلا أن هذه المخاوف غير مبررة، فالدراسات العلمية الحديثة لم تجد أي علاقة تجمع بين التشوهات الخلقية وطرق العلاج، وان المخاوف الاجتماعية والدينية والفلسفية لإمكانية استغلال هذه التطورات في أمور أخرى حقيقة لا يمكن تجاهلها، والمتوقع هو وضع قوانين صارمة للمساءلة الطبية لتنظيم العمل في هذا المجال لحماية الجنين والأم. 
رغم كل المخاوف والمخاطر التي قد تواجه الأم في سبيل الحصول على طفل الأنابيب ألا ان غريزة الأمومة تدفعها لا شعوريا للحصول على طفلها، فالتعريف الاصطلاحي للأمومة هي علاقة بيولوجية ونفسية بين امرأة ومن تنجبهم وترعاهم من الأبناء والبنات. وهذا هو التعريف للأمومة الكاملة التى تحمل وتلد وترضع (علاقة بيولوجية) وتحب وتتعلق وترعى (علاقة نفسية) . وهذا لا ينفى أنواعاً أخرى من الأمومة الأقل اكتمالاً كأن تلد المرأة طفلاً ولا تربيه فتصبح فى هذه الحالة أمومة بيولوجية فقط، أو تربى المرأة طفلاً لم تلده فتصبح أمومة نفسية فقط، لكن بكل الأحوال تحتاج المرأة لمثل هذه المشاعر لتكون أما وتعمر البشرية بمشاعرها النبيلة .