ظاهرة الإنتحار المبرمج في الدول الحضارية

د. فايز ابو حميدان

إن المسؤولية الأخلاقية والمهنية لأي طبيب هي معالجة المريض بكل السبل من أجل ضمان شفائه، وفي الحالات الميؤوس منها، عليه بذل كافة الجهود من أجل المحافظة على حياته بأقل قدر ممكن من المعاناة والأوجاع. هذا ما يقسم عليه كل طبيب في العالم في بداية رحلته لدراسة الطب.

نلاحظ في السنوات العشر الماضية قيام بعض الدول كسويسرا، السويد، بلجيكا، وأميركا بسن قوانين تسمح للأطباء ومراكز العناية بكبار السن، بتقديم خدمات للمرضى، يطلقون عليها اسم « خدمات إنسانية « تتمثل في تلبية رغبة المريض بإنهاء حياته من خلال الحصول على العقاقير اللازمة لإنهائها، وهذا ما يسمى بالانتحار المبرمج.

قد نتفهم بأن بعض الحالات المرضية الصعبة تصل بالمريض وأهله الى حالة ميؤوس منها، ولكن هذا لا يعطي الحق لأي كان في اتخاذ قرارات كهذه ، أو سن قوانين للمساعدة على الانتحار وإعطاءها صفة الشرعية، فهي قوانين لا إنسانية.

لقد قام المخرج الأمريكي بيتر ريتشاردسون Peter Richardson بإنتاج فيلم وثائقي (كيف نموت في أوريغون) صور فيه حالة شخص يدعى روجر ساغنر Roger Sagner ، حيث قام روجر بإنهاء حياته عبر تناوله 90 حبة من دواء بينتوباربيتال pentobarbital بحضور أفراد عائلته وأصدقائه، كم كان ذلك المشهد دراماتيكيا معقدا ومحزنا ،وعكس قسوة هذه القوانين.

ان انتحار روجر بالفيلم يصنف على انه فعل قانوني، في ولاية أوريغون بالشمال الغربي من أميركا، بسبب القانون الذي صوت عليه المواطنون في تلك الولاية عام 1994 والذي يسمح بالانتحار، حيث سمي القانون Dignity Act ) ( في ذلك الوقت.

والغريب في هذا القانون أن اعضاء البرلمان الجمهوريين المعروفين بتحفظهم لم يصوتوا ضد كل محاولات إلغاءه، بل هناك ترويج لطرق اختيار وقت وطريقة الانتحار، على أن يقوم الشخص بنفسه في إنهاء حياته، لكن عليه الحصول على موافقة طبيبين يؤكدان أنه سوف يموت بعد ستة أشهر، وبهذه الطريقة أنهى752شخص حياتهم في أوريغون منذ عام 1997 واغلبهم كانوا يعانون من مرض السرطان.

إن دورنا كأطباء أن نوصي بعقاقير تخفف من الألم والمعاناة لمرضى السرطان مهما كانت تكلفتها، وما يدعو للتفاؤل أن ابحاث هذه العقاقير palliative medicine في تطور دائم، وهناك فرص واقعية لتخفيف معاناة هؤلاء الناس. فالأمل دائما موجود .

إن اللجوء للانتحار في حالات مرضية معينة هو استسلام من الطبيب والمريض بنفس الوقت، ووقف لكل الجهود الرامية للتطور العلمي، بعض هؤلاء المرضى لا يلجأون للانتحار خوفا من الموت أو الأوجاع ولكنهم لا يريدون إقحام أهلهم بالحزن الشديد والمعاناة ومعايشة لحظات العذاب القاسية.

أثبتت الأبحاث أن هناك ردود أفعال متعددة لمرضى السرطان عند إعلامهم بأنه لم يتبقى لحياتهم سوى أسابيع أو أشهر قليلة ، عدا الانتحار ، فمنهم من قام ببيع كل ممتلكاته عند علمه بالنتيجة، ومنهم من انطلق برحلة حول العالم وبعد عودته تفاجأ بامتثاله للشفاء، لقد حدثت هذه القصة قبل 6 سنوات في بريطانيا حيث قام المريض الذي أخبر بقرب نهايته برفع قضية ضد المستشفى بعد شفائه ، لأنه قام ببيع كافة ممتلكاته تمهيدا لاقتراب موته.

في عالمنا الإسلامي لا يسمح لأي طبيب من خلال مهنته الإنسانية إنهاء حياة أي مريض أو حتى مساعدته على ذلك، لأي سبب كان، فهذه جريمة قتل يحاسب عليها القانون، وعقابها عند الله عز وجل شديد.قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) وقال تعالى ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)

إن الأمل بالله بالشفاء، والتفاؤل بالتطور العلمي، والوازع الديني الذي يحرم الانتحار يدفع مجتمعاتنا الى عدم قبول ظاهرة القتل والانتحار المبرمج.